أطفال اليمن… مخاطر تمس الحياة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
صورة تعبيرية

صنعاء – فائز عبده:

سقط نزار الحكيمي (١٦ عاما) من سطح الطابق الخامس لعمارة قيد الإنشاء، كان يعمل فيها كحامل أخشاب وأحجار، وغير ذلك من أعمال مساعدة، ليفارق الحياة، بعد ارتطامه بكومة من مخلفات البناء، على الأرض.

الظروف المعيشية التي تقاسيها الأسرة، والأمراض التي يعانيها الوالدان، دفعت نزار إلى ترك الدراسة، والمساعدة في توفير مصاريف البيت والتزامات العائلة، متنقلًا في عدة أعمال، كان آخرها العمارة التي شهدت مصرعه، عندما زلت قدمه من سطحها في نهاية ديسمبر الماضي.

وهي ظروف تماثل ما تعيشه آلاف الأسر اليمنية، التي فقدت مصادر دخلها أو عائليها، أو عجز أربابها عن تلبية متطلبات معيشتها، بسبب الحرب المستمرة منذ 6 سنوات، وما خلفته من تداعيات وخيمة على المواطنين، وتأثيرات سلبية على حياتهم، وما نتج عنها من تفاقم الفقر، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.

العمل بدلًا من الدراسة

مصدر مقرب من أسرة نزار، التي لم تسمح لها حالتها النفسية بالحديث، يقول إن الأب يعاني من مرض القلب، ما أدى إلى عجزه عن العمل، الذي كان يتدبر منه ما ينفق به على أسرته، بعد انقطاع الرواتب، فيما الأم تعاني من عدة أمراض، كالقلب والضغط والسكر.

ويضيف المصدر لـ”المشاهد” أن ذلك دفع نزار إلى العمل للمساعدة في إعالة أسرته المكونة من والدين مريضين، و3 فتيات، إضافة إلى شقيقه الأكبر، وهو شاب سبقه في خوض غمار العمل للغرض ذاته.

ويتابع أن الظروف الصعبة والحالة المعيشية، فاقمت من معاناة الأسرة الفقيرة، التي تراكمت عليها التزامات الإيجار، تكاليف العلاج، ومصاريف الدراسة، واضطر نزار للسير على خطى شقيقه وجدي، بالاتجاه إلى سوق العمل، عوضًا عن مقاعد الدراسة.

وفي الاتجاه ذاته، شق الطفل فهد، 10 سنوات- من أسرة أخرى- طريقه إلى سوق العمل، على حساب حقه في التعليم، تحت وطأة حالة الفقر والمعاناة، ليصير واحدًا من آلاف الأطفال الذين أجبرتهم الظروف على تحمل مشاق وأعباء أكبر من قدراتهم البدنية والنفسية، من أجل الإسهام في إعالة أسرهم التي تكافح في مواجهة غول الفقر، وشبح الغلاء.

ويعمل فهد (في بيع الملابس، رفقة والده الخمسيني، على “بسطة” يفترشانها وسط إحدى الأسواق الشعبية شرق صنعاء، ويناديان على الزبائن، معظم الوقت، للفت انتباههم، واستعطافهم، ويحصلان آخر النهار على مال يتباين مقداره من يوم لآخر، حسبما يقول “أبو فهد”.

مضيفًا لـ”المشاهد” أن دخلهما المتحصل من تلك “البسطة”، والذي لا يزيد على 2000 ريال (قرابة 4 دولارات أمريكية)، بالكاد يغطي الاحتياجات الضرورية والالتزامات الأساسية لأسرته التي تضم زوجة و5 من الأولاد والبنات. مشيراً إلى أن الحالة المعيشية تزداد سوءًا مع استمرار ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخول.

على أن هنالك أطفالًا استطاعوا المزاوجة بين الدراسة والعمل، وإن كان في ذلك تأثيرًا على تحصيلهم العلمي. فهذا خالد الشرعبي الذي يعود من المدرسة ظهرًا، إلى كشك الخضار الذي يملكه والده، في أحد الشوارع الفرعية، يستغل أوقات الفراغ القصيرة، لمراجعة دروسه، وكتابة فروضه المدرسية، وسط ضجيج الشارع، وإزعاج المارة.

طفل يعمل في غسيل السيارات

ويقول محمد الشرعبي، إن ابنه خالد الذي بلغ مؤخرًا الـ13 من العمر، ويدرس في الصف السادس الأساسي، يجد صعوبة في فهم كثير من الدروس، لأنه لا يجد الوقت الكافي للمذاكرة، وأنه مضطر لاصطحابه إلى العمل، من بعد الظهر حتى المساء؛ من أجل مساعدته من جهة، وإبعاده عن صحبة السيئين في الحارة، حد تعبيره.

ويضيف الشرعبي، وهو تربوي سابق، في حديثه لـ”المشاهد”، أن الأطفال في ظل الظروف الراهنة، حُرموا من أن يعيشوا طفولتهم، بكل ما تتطلبه من ترفيه واستمتاع، وأرغموا على تحمل مشاق الحياة، ومسؤوليات تفوق طاقاتهم وقدراتهم البدنية والنفسية والذهنية. مشيرًا إلى أن ذلك يشكل خطورة على مستقبل الأطفال، وبالتالي مستقبل البلد الذي سيخسر الكثير من الكفاءات في ظل الأعداد الهائلة من الأطفال الذين دفعتهم الظروف إلى التسرب من التعليم، أو أفقدهم العمل فرصة مواصلة الدراسة.

وتصنف منظمة اليونيسف، التابعة للأمم المتحدة، والمعنية بالطفولة، اليمن ضمن أسوأ البلدان للأطفال في العالم، وتقدر أن أكثر من مليوني طفل أضحوا خارج المدرسة، وأن هناك 3.7 مليوناً آخرين معرضون لخطر التسرب من التعليم.

مخاطر متنوعة

ويتعرض الأطفال المنخرطون في العمل لكثير من المضايقات والتعسف والاستغلال، من قبل أرباب العمل، أو من الزبائن والعملاء، ويتلقون أشكالًا من المخاطر، كالإصابات لمن يستخدمون أدوات حادة، أو التسمم بالنسبة للمشتغلين في مجال الزراعة والمبيدات، وقد تصل خطورة تلك الأعمال إلى المساس بالحياة، كما حصل لنزار، وغيره من الأطفال العاملين.

ويحكي الستيني “ق. م”، لـ المشاهد” أن نجله سليم (14 عامًا) تعرض لسلب جانب من بضاعته المتمثلة في خضار وفواكه، من قبل عدد من الشبان المجاورين للسوق الشعبية التي يعمل فيها، مستغلين صغر سنه، وتفوقهم عليه عددًا وقوة، ويقول لـ”المشاهد” إن حالات التنمر على الأطفال العاملين في السوق تحدث بين فترة وأخرى، في ظل سلبية الموجودين أثناءها من بائعين ومتسوقين، خوفًا من بطش من سماهم “البلاطجة”، مضيفاً أن عدم إنصاف الضحايا يشجع مرتكبي تلك الانتهاكات على تكرارها والاستمرار في مضايقة الأطفال.

ويشير أبو سليم إلى أن ظروف الفقر والحرب وانقطاع الرواتب، أرغمته على الاستعانة بولده لمساعدته في العمل بجانبه في موقع مجاور له داخل السوق الواقعة وسط مدينة صنعاء، في محاولة لتحسين الدخل، ومواجهة متطلبات الأسرة التي تتكون من 8 أفراد.

وأصيب مروان (12 عامًا) طفل من أسرة أخرى، بقطع في يده اليسرى أثناء عمله في ورشة حدادة في شمال العاصمة صنعاء، تم نقله إثرها إلى مستشفى مكث فيه أيامًا ليبرأ جرحه، ويعود لمزاولة مهنته التي يكسب منها لقمة عيشه، وفقاً لوالده الذي يعمل في الورشة ذاتها، ويعولان معًا أسرة كبيرة.

إقرأ أيضاً  القات في مرمى النيران

ويقول والد مروان لـ”المشاهد” إن الإصابة كادت تتسبب لولده بحالة تسمم، نتيجة تعرض الجرح للتلوث قبل إسعافه إلى المستشفى، مشيرًا إلى انعدام وسائل السلامة في كثير من الورش التي تتضمن أعمالًا خشنة وخطرة، سواء للأطفال أو الكبار، ما يهدد صحة وسلامة العاملين، خصوصًا الصغار.

وشاهد مراسل “المشاهد”، في نوفمبر الماضي، رجلًا يضرب طفلًا، وسط حلقة من المتفرجين في شارع عام، وينهره ويوبخه بشدة. ولدى الاستفسار من الرجل عن سبب ما يفعله، قال إن الطفل ابنه، وإنه باع قطعة من بضاعته بسعر أقل من ثمن الشراء، متسببًا لوالده بخسارة ثقيلة عليه، حسب تعبيره. وبعد أن تم تنبيهه إلى أن تصرفه مع ولده غير لائق، وأن بإمكانه التعامل معه بطريقة إيجابية أمام الناس، قام بعض الموجودين حينها بتعويض الرجل عن جانب من خسارته.

الفتيات جزء من الظاهرة

وتحضر الفتيات، بشكل ملحوظ، في هذا السياق، حيث تعمل وردة (9 أعوام) مع شقيقها عبدالكريم (10 أعوام)، في بسطة ملابس يملكها والدهما، في سوق شعبية شرقي العاصمة صنعاء، في أوقات غياب الوالد، وفي أوقات أخرى يجولان في الشوارع المحيطة بالسوق، لبيع بالونات وورود صناعية، ويحصلان مقابلها على ربح يومي لا يتجاوز 1200 ريال (حوالي دولارين).

ويقول عبدالله الوصابي لـ”المشاهد” إن عمله في السوق لم يعد يغطي تكاليف معيشة الأسرة، ما اضطره للاستعانة بولديه من أجل زيادة الدخل، وتحسين الوضع المعيشي، حيث يعملان بعد العودة من المدرسة، وفي أيام الإجازات المدرسية، رغم ما يمثله ذلك من أثر سلبي على تحصيلهما العلمي، مضيفًا أنه يحاول جاهدًا تعويضهما في استذكار الدروس مساءً، بقدر الإمكان، حسب تعبيره.

وفي أحد الشوارع، تعرض الطفلة فاطمة (10 أعوام) قناني المياه المعدنية والمناديل الورقية، على المارة والسائقين والركاب، وبين فترة وأخرى تستظل على قارعة الرصيف، وتأخذ قسطًا من الراحة، لتعاود استجداء الناس الشراء من بضاعتها، وتربح من عملها هذا بين  1000 إلى 1500  ريال في اليوم، كما تقول لـ”المشاهد”.

وعلى مقربة منها، تتخذ فتاة أخرى موقعاً لبيع المياه والمناديل، وتقول ذات الـ15 ربيعًا، لـ”المشاهد”، إن والدها عاطل، ونادرًا ما يحصل على عمل مؤقت، وهي تساعده لتلبية احتياجات الأسرة الفقيرة، مضيفةً أنها تتعرض لمضايقات من بعض الشبان والرجال، وتشعر بنظرات غير بريئة، وتسمع منهم كلمات جارحة وبذيئة، لكنها تتحمل كل ذلك من أجل والديها وإخوانها الصغار، حسب تعبيرها.

أيتام عائلون

تستوعب الأسواق والشوارع العديد من الأطفال الذين فقدوا عائليهم، وباتوا -رغمًا عنهم- عائلين لأسرهم، التي صارت تعتمد عليهم في توفير أسباب معيشتها، في خضم تحديات الحياة وسط أمواج الواقع المرير، وصدمات الوضع الاقتصادي المتدهور بفعل الحرب والفقر والبطالة.

يقضي شوقي الحميدي (15 عامًا) ساعات طويلة من يومه، مفترشًا وسط السوق، يعرض فانيلات وجوارب متعددة المقاسات، وفي المساء يعود منهكًا إلى منزله، بما جناه من مبلغ لا يتعدى 2000 ريال، ويقول إنه لا يغطي مصاريف الأسرة من غذاء ومياه، فيما يعمل شقيقه ماجد (14 عامًا) في مطعم، لتوفير التزاماتهم من إيجار وغيره.

ويقول شوقي لـ”المشاهد” إن والده توفي قبل 4 سنوات، إثر مرض عجز عن مواصلة تلقي العلاج له، بسبب انقطاع راتبه، وتراكم الديون عليه. مضيفًا أنه لم يعد من خيار أمامه، باعتباره الابن الأكبر، سوى تحمل المسؤولية مبكرًا، بالتعاون مع شقيقه، والتكفل بمهمة إعالة الأسرة المكونة من 6 أطفال ووالدتهم.

فيما يقول ماجد إنه يعمل في المطعم كماسح طاولات، بأجر يومي مقداره 1300 ريال، وهو مبلغ ضئيل لقاء عمل شاق ومرهق، ويتطلب الحركة المتواصلة، والحرص والحذر، مضيفًا أنه يتلقى عبارات الاستهجان والتعامل القاسي والنظرة الدونية من قبل بعض الزبائن.

ومثلهما، وجد مختار الريمي نفسه عائلًا لأسرته، بعد غياب مصدر الدخل الوحيد الذي كانوا يحصلون منه على قوتهم، إثر وفاة والده منذ سنتين، ما دفعه إلى ترك الدراسة، والانخراط في سوق العمل في مجال البناء والتشييد، الذي كان والده يعمل فيه، كما يقول لـ”المشاهد”.

ويضيف مختار الذي يسير في منتصف العقد الثاني من العمر، إنه صار متمكنًا من عمله، وماهرًا فيه، بفضل مثابرته في تعلم تفاصيله وأدق متطلباته، وليقينه أنه سيكون مهنته المستقبلية التي يعتاش منها، ويعول أسرته التي أضحى مسؤولًا عن كفالتها وكفايتها.

إحصائيات غير دقيقة وأعداد متزايدة

حسب المسح الوطني لعمالة الأطفال الذي نفذ بدعم من منظمة العمل الدولية وصل عدد عمالة الأطفال في 2010 إلى أكثر من مليون وستمائة ألف، من إجمالي عدد الأطفال في حينها البالغ 7.7 مليون طفلا. 17% من الأطفال العاملين ضمن الفئة العمرية 5-17 عاما و11% من الفئة العمرية 5-11 عاما، حسب نتائج المسح.

ويؤكد المهتمون ازدياد أعداد الأطفال العاملين في السنوات الأخيرة، بفعل الحرب وتداعياتها المدمرة لاقتصاد الأسرة اليمنية التي تواجه آثارًا قاسية لانقطاع الرواتب وتوقف الكثير من الأنشطة التي كانت تشغّل ملايين الأيدي العاملة.

وتواصل مراسل “المشاهد” مع الجهاز المركزي للإحصاء، وفي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، في صنعاء، بحثًا عن إحصائيات حديثة بخصوص عمالة الأطفال في اليمن، إلا أنه لم يحصل على أية معلومات أو بيانات تفيد بتقدير دقيق لهذه الظاهرة المؤرقة للمجتمع، والمقلقة لحال المستقبل.

ومع استمرار الصراع العسكري الدامي في اليمن منذ 6 سنوات، تتصاعد المخاوف العميقة على مستقبل الأطفال الذين يفتقرون إلى أبسط الحقوق الأساسية المتعلقة بالتعليم والصحة والسلامة البدنية والنفسية، ويتعرضون لانتهاكات شتى ومخاطر جمة، تتلاشى في ظلها براءتهم، ويصبحون عرضةً لفقدان حياتهم.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة