fbpx

قصة مهدي مع أبنائه… 20 عاماً من التنقل بين المشافي والمقبرة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

الحديدة – بليغ السامعي:

“بعتُ ذهب زوجتي وكل ما نملكه لعلاج أبنائي، ولم يعد معنا سوى ملابسنا، لكنها ليست صالحة للبيع”. هكذا بدا حال مهدي حيدر ( 57 عاماً) وهو يتنهد بأنين مخنوق وحرقة قلب منكسر بعد أن أمضى أكثر من 20 عاماً، متنقلاً من مشفى إلى آخر، لعلاج أبنائه الـ6، الذين يعانون من مرض ضمور دماغي أقعدهم عن الحركة.
قضى الأب جل وقته في التنقل مع أبنائه بين المنزل والمشافي، عسى أن يفرح بشفاهم يوماً ما.
ففي منزل الأب مهدي تجد ما يعفيك عن سؤال بداية رحلة المعاناة والعلاج، إذ تبدو المئات من أنابيب المغذيات المتدلية على حبل الغسيل، وعشرات الأكياس التي تحوي العلاج، مبعثرة في فناء المنزل.
وفي إحدى زوايا الصالة تتكدس الأكياس الصفراء والبيضاء الممتلئة بالأوراق الطبية والتقارير والفحوصات، والعلب وكراتين من العلاج المستهلك. إنه واقع ممتلئ بأوجاع أسرة تعيش سنوات الصراع مع المرض والتنقل بين أروقة المستشفيات والمراكز الطبية.

20 عاماً من العلاج

يقول مهدي لـ”المشاهد”: “بدأت علاج أبنائي الـ6، في مستشفى جبلة بمحافظة إب” (وسط اليمن).
بعد استنفاد وقت كبير من العلاج في مستشفى جبلة، انتقلت الأسرة إلى الحديدة، وهناك بدأت المرحلة الثانية من العلاج.
5 سنوات قضاها مهدي في مشافي “الثورة العام والحديدة والأقصى والكويت” بالحديدة.
وتطلبت أعراض المرض ضرورة العلاج الفيزيائي، إلى جانب الدواء، ما جعل مهدي يلجأ إلى العلاج الطبيعي في مركز بهجة لذوي الاحتياجات الخاصة والعلاج الطبيعي، الكائن في الحي التجاري بمدينة الحديدة، لتلقي جلسات العلاج الطبيعي.
حظي الأبناء بجلسات خاصة وتدريب في المركز لمدة سنتين، تخلل الفترة انقطاعات بسبب عجز الأب عن دفع مستحقات المركز.
وخلال فترة العلاج الطبيعي، بدأت حالة الأبناء بالتحسن، ولاحت بهجة خفيفة في أرجاء المنزل، ونبض قلبا الأب والأم ببصيص من الأمل، لكن لسوء حظ الأبناء أُغلق المركز في 2017، ولم يستطع الاستمرار، بسبب الحرب والظروف التي تعصف بالبلاد.

ما هو الضمور الدماغي؟

يحدث الضمور الدماغي نتيجة لتلف في أنسجة الدماغ وموت الخلايا وفقدانها بشكل تدريجي. ويترتب على ذلك اختلالات في الأعصاب (عصبونات) الداخلية وعدم القدرة على التحكم بالوظائف الطبيعية للعصبونات الداخلية في الدماغ، وفق مصادر طبية.
ويؤكد أطباء أن الضمور الدماغي التقاعدي عند الأطفال يحدث بسبب نقص تغذية عند الطفل، أو نتيجة أمراض وراثية، أو التهاب حاد في الدماغ، وأسباب متعلقة بفترة حمل الأم وأثناء الولادة وبعدها.
لكن الأب الذي أمضى أكثر من 20 عاماً في المستشفيات، بات يائساً، ولا يثق بكلام الأطباء والمستشفيات. وقال إنهم لم يقدموا لأبنائه سوى المهديات، واصفاً كلام الأطباء عن تشخيص المرض وسبل العلاج، بـ”العجز والتفلسف”.
ويشرح، بطريقته ظهور أعراض المرض على أبنائه، بالقول: “يولدون سليمين، وعندما يصل الطفل إلى سن الخامسة تبدأ أعراض الإعاقة بالظهور”.
ويضيف: “كلما كبروا بالعمر يقل نموهم وتزداد إعاقتهم بالمشي، ويعانون صعوبة في الكلام، ولا يقدرون أن يركزوا… و يتقيؤون دماً بين فترة وأخرى، وما قدرنا نعرف سبب ذلك”.

إقرأ أيضاً  "عثمان الأثيوبي" ... قصة رحلة الموت وحلم العودة

وفاة 4 من الأبناء

وبعد سنوات من العلاج توفي 4 من الأبناء الـ6، إثر معاناتهم مع المرض، وهم إبراهيم (25 عاماً)، صلاح (18 عاماً)، فاطمة (16 عاماً)، وعائشة (12 عاماً). ومازال الأب يكافح من أجل إنقاذ أفراح (20 عاماً)، وخديجة (14 عاماً) اللتين تصارعان المرض ذاته.
تعاني خديجة مع أختها منذ سنتين من شيء ما داخلهما يجعلهما تتقيآن دماً باستمرار، ويقول والدهما إنه لم يتم تشخيص المرض في مستشفيات الحديدة، لعدم توافر أجهزة طبية.
وفي كل مرة يسعف فيها أفراح وخديجة، إثر تقيوئهما، يعود محملاً بالمهدئات.
وقال إن الأطباء نصحوه بضرورة السفر إلى صنعاء، لتوافر المستشفيات هناك على أجهزة منظار حديثة، لكن بسبب حالة العوز للأسرة ظل الأب يشتري المهدئات، وهو كل ما يمكن لأب محتاج فعله نحو طفلتيه وهما تحتضران أمام عينيه.
لم يستطع المرض أن يسلب الابتسامة من وجه خديجة، فرغم الإعاقة إلا أنها تبتسم مثل أطفال العالم، ابتسامة تخبرنا أنها تستحق أن تعيش مثل الأطفال.
خلال رحلة العلاج لم يخشَ مهدي من الموت جوعاً، ولا من الحرب التي تبعد عن منزله مسافة أقل من كيلومتر، حيث تكمن المتاريس والمدرعات، ولا سنوات المعاناة التي قضاها متنقلاً بين المستشفيات. كل ذلك لم يشكل له مصدر خوف ويأس وانتظار ما يخبئه القدر له ولعائلته، بقدر ما هدّه موت ابنه. ويقول مهدي: “بعد موت صلاح يئست وتعبت وفقدت طعم الحياة والمعاناة”.
مات صلاح في 2018، مات آخر ذكر في الأسرة، وأحدث موته ثقباً في قلب الأب والأم.

مناشدة أخيرة

تواجه أسرة مهدي المجاعة والأوبئة التي لا تنفك عن المدينة، ومؤخراً وباء كورونا، عزلاء بأجسام عليلة ومتهالكة، وبجيوب فارغة، إذ تعاني من العوز الذي يتفاقم يوماً بعد آخر، مع استمرار الحرب، وليس لديها مصدر دخل تعتاش منه، ولا عائل لها سوى أب أمسى عاجزاً عن العمل، ولا حيلة لديه عدا الصلاة في سبيل شفاء ابنتيه.
ويناشد مهدي أيادي الخير والقلوب الرحيمة النظر بعين الرحمة، طالباً العون والمساندة لرسم البهجة في عيون طفلتيه، ويتفاءل أن الناس تواقون لمساعدة الآخرين وفعل الخير، مستشهداً بالحديث النبوي الشريف: “لايزال الخير في أمتي حتى قيام الساعة”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة