مغنيات شعبيات لم تعقهن نظرة المجتمع القاصرة للفن

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – أسماء حيدر:

واجهت الفنانة الشعبية اليمنية مروة، ثقافة العيب ورفض المجتمع لفن المرأة بالغناء الشعبي من صغرها، دون الالتفات لنقد الاقارب لها ومحاولة إثنائها عن استمرارها بالحضور في حفلات الأعراس، كما تقول، مضيفة: “واجهت صعوبات كبيرة من قبل أعمامي وأقاربي وأخي الأكبر الذي ما لبث أن قام بضربي وحبسي ومنعي من الخروج من غرفتي بحجة أني سأجلب لهم العار والفضيحة إذا حققت هذا الحلم، غير أن والدي كان خير مشجع وداعم لي، ولم يأبه بكل تلك الانتقادات من الأقارب وغيرهم، فما كان من أعمامي وأقاربي إلا أن تبرأوا منا وأخرجونا من منزلنا، لأنهم يعتبرون الغناء يهين الأصول والأعراف المجتمعية، ويحط من قدرهم”.
ولا تختلف معاناة مروة كثيرًا عن الصعوبات والتحديات التي تواجهها هند محمد، واسمها الفني وردة، وهي صاحبة فرقة وردة الموسيقية، ولكن العوائق التي واجهتها ليست من قبل أسرتها المشجعة لفنها وموهبتها، ولكن من محيطها المجتمعي، تقول: “للأسف مازال مجتمعنا اليمني ينظر نظرة قاصرة تجاه المرأة وعملها، فما بالكم من دخلت مجال الفن، وبخاصة الغناء”.
وتضيف لـ” المشاهد”: “مضايقات عدة نواجهها عند إحيائنا للحفلات، فهناك من يناديننا بالمزينة، وأخريات يعتقدن بأننا نشترى بالفلوس كأن تقول أنتي جيتي بزلطنا (فلوسنا)، والبعض يحتقر مهنتنا كل احتقار، ومع ذلك هناك من يحترم مهنتنا ويقدر موهبتنا، ولو أنهم قلة نادرة”.

التخلص من قيود ثقافة العيب

بدأت مروة تجربتها مع الغناء في مرحلة مبكرة جدًا من عمرها. ففي ربيعها السابع تم اكتشاف موهبتها الغنائية من قبل والديها، حين كانت تشدو بالأغاني الشعبية التراثية، مترنمة بها في التجمعات الأسرية ومدرستها، وما إن بلغت مروة سن الـ20 زادت ثقتها بموهبتها الغنائية، وقررت توسيع حلمها لإنشاء فرقة غنائية نسوية لإحياء الأعراس والمناسبات الفرائحية.
وتقول: “كنت حينها شغوفة بتحقيق هذا الحلم، وتنمية موهبتي، ومساعدة أسرتي في وضعهم المعيشي المتردي من خلال ما سأجنيه من إحياء تلك الحفلات النسوية من مناسبات الزواج والتخرج ومناسبات الولاد وغيرها”.
انتقلت مروة من قريتها في ضواحي صنعاء، إلى أمانة العاصمة، ودربت نفسها على العزف على العود، مع عدد من الفنانات الشهيرات واللواتي حاولن ضمها إلى فرقتهن الموسيقية، ولكنها رفضت، وكونت فرقة، وبدأت حضور حفلات الزفاف، وازدادت الطلبات واشتهرت، كما تقول.
وتحصل فرقة مروة على 150 ألف ريال يمني (تعادل 250 دولارًا أمريكيًا) في الحفلة الواحدة “مما أدى إلى تحسن كبير في حالتنا المادية، واشتريت لوالدي سيارة، ثم اشتريت لنا أرضية، وعالجت أمي التي تشكو من تصلب الشرايين في القلب، وتمكنت من توفير ثلاث دعامات لها حتى تماثلت للشفاء، والحمد لله” تضيف مروة.

الفنانات الشعبيات قديمًا وحديثًا

قديمًا في صنعاء كانت الزفة للعروس تؤدى عن طريق منشدة تسمى “سيدتنا”، لأنها كانت تدرس القرآن وتؤدي الموالد النبوي الشريف، وتقوم بزفة العروس والوالدة بدون طبل، بل تبدأ بقراءة سورتي يس وتبارك، والأناشيد التي تتضمن الصلاة على النبي وآله، والزفة ومدح العروس والعريس وأهلها وأهله، بالإضافة إلى وصف لبس الوالدة وسجافها (الكوشة اليوم)، كما تقول الناشطة المجتمعية رجاء المؤيد.
وبدأ يتغير الأسلوب بعد ثورة 1962، ودخول بعض الثقافات من مصر وعدن وغيرهما من الدول والمناطق التي كانت تنظر لمهنة الغناء على أنها فن، وأصبح يروج لذلك في وسائل الإعلام، وأصبح للعمل قيمته المجتمعية، وأدخل على أعراس المجتمع، ثم توسعت الدائرة لتصل إلى الإناث، وبدأ يتواجد في الساحة مغنيات شعبيات كنَّ يحيين الأعراس، بحسب المؤيد.
وتسترسل بالقول: “كان يُنظر للمغنية أنها أدنى طبقة في المجتمع تسمى “المزينة”، لأن هذه كانت مهنة محتقرة ومحرمة، وإن وجدت لم تتعدَّ العزف على آلة الإيقاع بالطبل مع أداء بعض الأشعار المعروفة في القرى لزفة العروس، إذ تردد المغنة أشعارًا شعبية عن الزفة كأنها تقص أحوال العروس في وداع بيت الأب، وتستخدم الكلمات التي كانت تثير الشجن، وكانت النساء يرددن مثل هذه الأشعار حتى حين يقمن بطحن القمح أو أداء العمل، ويقرضن الشعر للتعبير عن مشاعرهن، سواء كانت مشاعر فرح أو حزن، حتى إنه اشتهر مثل يقول “يا مغني ما غناك/ من ضيق حالك أو سلاك”، وكانت كموروث شعبي تحتفظ بالكثير من القيم والأخلاق وعادات وتقاليد محافظة، وكان ذلك من باب إدخال السرور والفرح على العروس وأهلها”.
وفي الثمانينيات والتسعينيات، رأينا أرقى وأجمل الأعمال التي جسدت الأم والزوجة والابنة، وناقشت مشاكل المجتمع، وحاولت أن تجد الحلول لتصحيح وضع المرأة ومعاناتها في الثأر، في زواج القاصرات، في عدم التعليم، في عدم إعطائها حقها، والكثير من القضايا المهمة التي جسدتها الفنانة اليمنية، كما تقول الإعلامية زمزم قاسم.
وتضيف زمزم: “لا نستطيع الجزم أن الأمر الآن أصبح عيبًا، أو يقتصر على فئة معينة، وإنما كل من هب ودب انضم لهذه المهنة الجميلة التي يجب أن تكون موهبة أولًا، ونابعة من القلب لقضية وهدف سامٍ، ويسمو بالمجتمع ليس فقط للعرض والدعاية”.
وترى أن هناك مواضيع لم تتم مناقشتها من قبل الفنانات للآن، وتحتاج لمناقشتها. وبالمقابل على الدولة الاهتمام بالنجوم والهامات الفنية النسائية القديمة والجديدة، وتحية لكل فنانة تحمل رسالة جميلة وواعية ومؤثرة.

إقرأ أيضاً  تضليل الحوثيين بشأن مشاركة داعش مع القوات الحكومية في مأرب

لماذا هذه النظرة القاصرة؟

تستغرب مروة نظرة المجتمع القاصرة تجاه الفنانات، بالقول: “ليس كل من دخلت هذا المجال إنسانة سيئة، بالعكس هناك من تحترم فنها وفق العادات والتقاليد، وتظهر موروثنا الشعبي في أبهى صورة، ووفق حدود الذوق والأدب، فهي موهبة ومصدر رزق لي ولأسرتي، وإن كان هناك من أساءت لهذه المهنة، فهذا شأنها”.
وتوضح الدكتورة رضية باصمد، أخصائية علم اجتماع، أن الفن بشكل عام هو مجموعة متنوعة من الأنشطة البشرية السمعية والبصرية (أداء حركي)، وهو تغذية للروح لأنه نوع من أنواع التربية الروحية والنفسية مثل الموسيقى الهادئة، إذ تترك وراءها آثارًا تربوية وثقافية نافعة، ومن هنا فالغناء الشعبي ثقافة مجتمعية سواء إيجابية أو سلبية، من خلال توظيف هذا الفن لخدمة المجتمع، وتحسين الذوق الفني، كون الفن جزءًا من ثقافة هذا المجتمع.
وتبين باصمد أن المجتمع تشوبه كثير من الأشياء المشوهة، وتقول: “مع كل ما نمر به من اضطرابات على كافة الأصعدة، ننظر إلى الفنانات نظرة قاصرة تعود لثقافة المجتمع باعتبار الفن هو للهو واللعب عند البعض، وليس الكل، ومن يراه حرامًا، وبالتالي فعله وتكسبه والاستماع له أيضًا حرام”.
ونتيجة ذلك، توضح أن الفنانات الشعبيات في ثقافة هذا المجتمع، تجد من يقف معهن، ويسهم في تطوير مسيرتهن في توطيد هذه الثقافة وتعزيزها، بدلًا من التهكم عليها والتقليل من شأنها.
وتؤكد الناشطة المجتمعية الدكتورة دينا الرميمة، أن الفن يؤدي رسالة سامية، فقد يعالج مشكلة من مشاكل المجتمع، أو يشرح الواقع المعاش، أو يوصل فكرة للمجتمع قد لا نستطيع إيصالها عبر الوسائل الأخرى.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة