fbpx

المشاهد نت

مهدي.. ذهب إلى جمهور من الملائكة

القاهرة – محمد عبدالوكيل جازم

في رواية “مائة عام من العزلة” لصاحب نوبل ماركيز، يموت أحد أبطال المسرح والفن السينمائي في حقب الزمن التاريخي الروائي، فتبكي عليه الناس، وتذرف الدموع بحرقة، لكنه يعود إلى المسرح على هيئة رجل عربي.. يثور الجمهور معتقداً أن هذه سخرية غير معهودة.. ألم يمت؟ كيف عاد إلى الحياة؟ وهكذا نستطيع أن نقول إن لديهم بذخًا في عدد الفنانين، ونحن لدينا بذخ في عدد القتلة… الذين يفسدون في الوظيفة العامة، ويسرقون الخبز من أفواه المساكين، ويتاجرون بالدواء والمؤسسات الصحية. لهذا نجد نسبة الوفيات بسبب الفساد والإهمال تفوق الخيال في بلادنا.
حدث تجريف غير معهود لكثير من الكتاب والمفكرين والصحفيين. تجريف أحدث اختلالًا في موازين الحياة، لذا نجد أن زعيق المدفعية والطائرة الحربية أكبر من صوت الإنسان. ولقد تساءلت في أكثر من مرة: لماذا لا يعود الفنانون والفلاسفة والمبدعون إلى الحياة بعد موتهم؟ وماذا لو عاد الفنان والمسرحي عبدالكريم مهدي إلى الحياة..؟ كيف سنستقبله وقد قام إلينا في حدث يشبه قيامة المسيح؟ الحقيقة نحن بحاجة لعودة مثل هؤلاء الأنبياء ليستمر تجميل الأرض بدلاً من تقبيحها بحمامات الدماء كما تفعل الحروب الآن. فالنكبات غير المسبوقة تدعونا إلى الإمساك بكل بارقة أمل، والإبقاء على الكثير من المواسين الذين يتشكل الجمال بين أيديهم مثل الصلصال.
في الحرب التي نشبت بين فرقاء اليمن لم يجد كريم أي سلوى له سوى معالجة الأضرار بالانخراط في العمل الخيري، وقد اهتم بهذا لكي يسد الطريق أمام المتعيشين من أمراء الحرب.. في مثل هذه الظروف يطفو على السطح الدراويش والأفاقون والانتهازيون، ويتجذر في الأرض الأصلانيون، والذين أسفلهم ثابت في باطن الأرض ومائها، فيما أوراقهم ناغلة في روح الأرض والسماء.
في ذروة الحرب وقع حيّ كريم بين فكّي كمّاشة المجنزرات.. هجر الناس بيوتهم، وبقي هو شاهدًا على قتلى وجرحى سقطوا على امتداد شارع سوق الصميل، ومنهم الشاعر رمزي الحكيمي الذي طالته رصاصات القتلة، واختفى في ظروف غامضة. وحين عاد النازحون من منافيهم إلى الحي، وجدوا كريم في استقبالهم، فعمل على تأمين بيوت إيواء للذين أهلكت الحرب منازلهم. طفق يعمل في مبادرات ذاتية وجماعية على إغاثة النازحين والجرحى، والذين يتّمتهم الحرب، وانشغل عن الفن والحياة بترتيب أوضاع هؤلاء الذين لا حول لهم ولا قوة.. كريم مثقف عضوي بالمعنى المتعارف عليه عند غرامشي.

سلمناك لروح السماء

لأن الملائكة في انتظار دورها

هي أيضًا تشتاق لأن تلعب معك دور البطولة

في النص.


في رسائله الفنية وأدواره الدرامية يكبر فقيدنا دائمًا، وكلما أضاف عملًا إلى قائمة إنجازاته، رأيت الجمهور أكثر قدرة على محاكاة فنه الأصيل، وأكثر شغفًا.. لسبب بسيط، وهو أنه كان يختار أدوار المنفيين في الشوارع والأرصفة وبيوت الصفيح، والمتعبين والمساكين.. وقد كان كريم في واقعه المعيش كما هو في فنه، وجميع أدواره تنطبع في أذهان الجماهير لأنها خالدة، وليست آنية.
ولعل مما أتذكره في فوضى الحرب القبيحة، ذلك اللقاء الأخير بمهدي في ديسمبر 2016، فقد شاءت الأقدار أن نلتقي على خط النار الحدودي الذي يقسم مدينة تعز قسمين.. قسمان ما أنزل الله بهما من سلطان، إلا من أجل مراضاة أمراء الحرب. التقينا في جولة سوفتيل القريبة -أيضًا- من جولة القصر المخيفة.. يومها كانت ليالي تعز جهنمية: الدبابات المتوحشة التي تربض في محيط كهفي لتبة الفندق، تقصف شوارع المدينة وسكانها بكل حقد التاريخ، وكانت مدفعية الجانب الآخر ترد دون أية مراعاة للسكان الذين يقعون تحت ذلك القصف. وكانت عملية إطلاق ذخائر الدبابات تهز تعز كلها، فلا يجد الناس وقتًا للنوم أو الاستمتاع بالحياة والغذاء والدواء؛ أشلاء القتلى مرمية في كل مكان، وغارقة في دمائها.. صراخ الأطفال والنساء والشيوخ يشرخ القلب.. في ذلك الجو التقيت مهدي الذي كان يرتدي قميصًا أسود، بنطلونًا أسود وقبعة سوداء.. كل ما فيه كان يقطر حزنًا.. وبأرواحنا المتقرحة من أوجاع الحرب احتضنا بعضنا، وقعدنا في إحدى المقاهي المرتبكة هناك.

سألني كريم: وأنت ماذا عنك..؟ أخبرته أنني أفتقد بشدة منارتي الأشرفية وزخارف القباب في المظفر وقباب المعتبية، ولا أدري كيف أصل إلى القلعة والحسينية وسوق الصميل مهبط الذكريات ومرتع الشباب.


جاء صوت كريم وهو يحتسي الشاي بمرارة:

  • بالله عليك لماذا يتقاتلون؟ رأيت عينيه تغرقان بالدموع، والكلمات التي يسوقها باللكنة التعزية تجيء وتذهب، وثمة أصوات رصاص وصراخ يحلق فوق سماء المدينة.
    أجبته ساخرًا: من أجل المساكين والمحتاجين والمغلوبين على أمرهم.. من سيبيد أمريكا وإسرائيل سواهم؟ ولكن من أجل الوصول إلى ذلك لا بد من إعلاء كلمة الله في الداخل.
    قال والدموع تسقط فيمسحها بأصابعه:
  • وهل الله بحاجة لهذه الدماء..؟ ألا يعرفون أن الله محبة؟
    قلت له: إنهم لا يعرفون سوى عائدات النفط والموانئ والضرائب والجمارك ونهب الأراضي من ملاكها الحقيقيين.. اقتسام الغنائم ووضع الحدود واستحداث النقاط العسكرية وكل ما يغذي الحرب.
  • نعم الفساد والقتل المجاني والحدود مفردات يجيد المتنفذون الرقص عليها.
    ارتفع صوت كريم وهو يبكي ويضحك وأردف:
    لقد أصبح لدينا كمية هائلة من مبتوري الأطراف و”المتعكزين” والمقعدين والمنفيين والهاربين واللاجئين في كل بلدان العالم.. كان كريم يتحدث كما لو أنه يلقي دورًا من على خشبة المسرح، وبمرارة خرج صوته مبحوحًا: ليس أمامنا سوى أن ننفذ فيهم حكم الإعدام.. فهمت وضحكت مثله ضحكًا كالبكاء.
    سألني كريم: وأنت ماذا عنك..؟ أخبرته أنني أفتقد بشدة منارتي الأشرفية وزخارف القباب في المظفر وقباب المعتبية، ولا أدري كيف أصل إلى القلعة والحسينية وسوق الصميل مهبط الذكريات ومرتع الشباب.
    .. لا أعرف سن كريم ولا متى ولد.. لا أعرف أيضًا متى مات تحديدًا، لكنني أحس بأنه حي يرزق.. أنه حي. وهذا شعوري تجاهه. تعرفت عليه في حي سوق الصميل بتعز، وذلك حين انتقلت إليها من الريف بعد أربع سنوات خدمة تدريس. كل شيء حدث بيننا منذ التقينا مازلت أتذكره.. حين جاورته في السكن بسوق الصميل عام 1998، كنت أعرف أنه “ناجي”، وبقيت أسميه “ناجي” لفترة طويلة، أثناء ذلك وقبلها، كنت أقرأ إبداعاته النقدية والقصصية على صفحات “الجمهورية”، كنت أتذوق طريقته في كتابة القصة القصيرة والمسرحيات الحميمية، وكان المخرجون يختارونه للأدوار التي تجسد الخير.
    استضافني كثيرًا في منزلة المتواضع الذي يتكون من طابقين بناء قديم. وهذا المنزل بالمعنى المتعارف لم يكن منزلًا، ولكن يمكن أن نقول عنه بأنه دار مثل كل البيوت القديمة في القرى، ولاتزال دور مشابهة لها جوار جامع الأشرفية في المدينة العتيقة.. توسعت مدينة تعز وتغيرت أبنيتها وشوارعها، وظل بيت عبدالكريم محافظًا على عتاقته إلى وقت قريب، لا أدري إن كان قد تغير مبناه، أما معناه فإنني أعرفه.
    ولن أنسى أبدًا حين أحاط كريم بوجه أمه المسنّة يومها وهو يقدمها لي: هذه أمي. إنها أهم من الجمهورية اليمنية بكل مسؤوليها، فهي من ساعدني على الاستمرار في التمثيل والكتابة، ولولاها لهجرت الفن باكرًا. وأردف: الناس يقولون يا دولتاه! وأنا
    أقول: يا أماه!
    هل مات عبدالكريم مهدي، أم أنه ذهب إلى احتفال إضافي بالدرامي..؟ هناك لعله سيجد جمهورًا يليق به. لعله سيجد أريكة آمنة ووسادة ومدفأة خضراء.
    سلمناك لروح السماء
    لأن الملائكة في انتظار دورها
    هي أيضًا تشتاق لأن تلعب معك دور البطولة
    في النص.
إقرأ أيضاً  جيبوتي بوابة عبور اليمنيين إلى دول أخرى

مقالات مشابهة