fbpx

المرأة اليمنية البهائية بين الاعتقال والتنمر

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

صنعاء – صفية ناجي:


“أبوك كافر مرتد وسوف يُعدم”؛ لم تكن جملة سهلة ليحفظها طفل اعتقل والداه بتهمة اعتناق دين آخر غير الإسلام، لكنه حفظها لينقلها عبر الهاتف لوالدته المعتقلة في سجن الأمن القومي بصنعاء.
كثيرة هي الانتهاكات التي يتعرض لها البهائيون في اليمن، والتي لا تفرق بين امرأة ورجل، أو بين طفل وكهل، وتتوزع تلك الانتهاكات جسديًا أو لفظيًا، من قِبل الأسرة والأصدقاء والحكومات المسيطرة على مناطق تواجد البهائيين بها.

نشأة الدين البهائي
تعود البدايات الأولى لظهور الدين البهائي الى الدعوة البابية سنة ١٨٤٤ والتي اسسها تاجر شاب من شيراز يدعى على محمد الملقب بحضرة “الباب”. إدعى أنه يحمل رسالة مقدّر لها أن تحدث تحولا في الحياة الروحية والاجتماعية للبشر. وبشر بمجيء رسول جديد يهدي البشرية الى السلام والاتحاد والعدالة . في عام ١٨٦٣ أعلن حسين علي نوري بأنه الرسول الذي بشر به الباب. ولقب نفسه “بهاء الله”. ومنذ اعلانه الدعوة تعرض للسجن والتعذيب والنفي ، نفي من ايران الى بغداد ثم الى اسطنبول وادرنه واخيرا الى سجن عكا، وفي عكا توفي سنة ١٨٩٢ بعد ان كتب بخطه العديد من الرسائل والكتب التي اصبحت المصدر الرئيس للدين البهائي. كما اصبح مقامه في عكا قبلة للبهائيين الذين امنوا بدعوته.
اعتقالات بتهمة البهائية
روحية ثابت، امرأة بهائية من صنعاء، أم لطفلين، تعمل رئيس مؤسسة التميز لتنمية المجتمع، ومستشارة تربوية، معلمة لغة إنجليزية في معهد “يالي” بصنعاء.
“اعتقلت مع 67 شخصًا،، بينهم أطفال، و30 امرأة، بعضهن لا ينتمين للبهائية، في تجمع شبابي نظمته منظمة محلية، وكان هذا التجمع الذي تمت مداهمته من قبل الحوثيين بصنعاء، بهدف “تعزيز مبادرات تنمية المجتمع المحلي، وتشجيع قيم ومبادئ السلام والتعايش”، كما تقول روحية.
اعتقلت روحية من قبل قوات الأمن القومي لجماعة الحوثي، في أغسطس 2016، تقول: “كانت مداهمة مسلحة عنيفة ومهينة، وتلقينا ألفاظًا مسيئة وصرخات مرتفعة بكل عنجهية وغطرسة، وكأنهم داهموا مقر خلية إرهابية جاسوسية. لأول مرة نشاهد مداهمة، وبهذه الطريقة”.
وتضيف: “كانوا يعلمون أن هذا التجمع هو تجمع مسالم، ولا أحد يحمل السلاح، وفي وضح النهار، وسط حي حيوي، وليس بالخفاء، وقد وجهت لنا اتهامات عدة، أولها أننا “بهائيون ومؤمنون بالدين البهائي”. السلطة الحوثية تعتبر البهائيين مرتدين عن الإسلام، ويهددون ويخالفون ويشوهون الإسلام، وخلايا جاسوسية لإسرائيل. تم اعتقالنا في مقر الأمن القومي في صرف لمدة شهر”.
لم تكن تعلم روحية أن أسرهم تم اعتقالها، تم التواصل مع زوجها ومع أخيها، وأبلغوا أنه يجب عليهم الحضور لأخذ زوجاتهم من مقر الاعتقال، وعند حضورهم قُبض عليهم، بينما كانت تظن أن زوجها في المنزل يعتني بأطفالهما، لم تكن تعلم أنه قد تم اعتقاله لاحقًا.
“بعدها بفترة ذهبت قوات تابعة للأمن القومي إلى منزلنا، ونهبوا كل شيء بداخله، وأثناء رؤية ابني لأحد الضباط في المنزل سألهم أين أبي؟ أجابه بالقول: أبوك كافر مرتد وسوف يُعدم”، هكذا تقول روحية.

معاناة الاعتقال

تصف روحية أيام الاعتقال بالتعذيب النفسي، وتقول: “يتم التحقيق معنا لساعات طويلة، يبدأ أحيانًا بالليل وينتهي الفجر، لم نكن نعلم كم التوقيت، ولا يحق لنا السؤال”.
“كانوا يأتون أحيانًا لمناداتنا من الخارج بأسمائنا أثناء نومنا، فننهض ونتجهز ظنًا أنهم سيأخذوننا للتحقيق، وننتظر ولا يأتي أحد، أو يطرقون بوابة الزنزانة بقوة لإفزاعنا”.
تم الإفراج عن روحية وزميلاتها من السجن، ووضعهن تحت الإقامة الجبرية في منازلهن، عقب مناشدتهن إدارة السجن إطلاق سراحهن، كون منزلها يقع في منطقة عطان التي كانت حينها هدفًا للقصف المكثف لقوات التحالف العربي.
تقول ورحية: “كان القصف شديدًا جدًا، بخاصة في منطقة عطان التي يقع منزلنا فيها، ترجيتهم في السجن كثيرًا لإخراجي أو إخراج زوجي ليكون أحدنا مع الأطفال أثناء القصف، وبعد أسبوع وافقوا أن يخرجوني أنا وزميلتي تحت الإقامة الجبرية”.
قبل خروجها، وقعت روحية على تعهدات التوقف عن ممارسة أي أنشطة دينية، ومهنتها، كما تمت مداهمة منظمتها أثناء احتجازها، ونهبوا ممتلكاتها، كما تروي.
وتقول: “أنا من أسرة بهائية، رسخ فيهم من الطفولة حب الإنسانية جمعاء، وعندنا قبول واحترام لكل الأديان والرسل وأتباعهم، كنا نشارك جيراننا وأصدقاءنا مناسباتهم الدينية، وندعوهم لأن يحضروا الفعاليات والمناسبات الدينية البهائية”.
المنظمة التي عملت فيها روحية كانت تنفذ مشاريع تنموية قصيرة وطويلة الأمد، مثل تمكين قدرات الشباب والنساء لتعزيز دورهم الحيوي ونشر السلم الاجتماعي ونشر ثقافة التعايش ورفض جميع أشكال الصراع والتعصب الديني والمذهبي في المدن والقرى على مستوى اليمن. استمرت الأنشطة لمدة 17 عامًا، لكنها توقفت في 2016 بعد مداهمتها.
تختم روحية: “في أبريل 2017 حدثت حملة اعتقالات جديدة استهدفت عشرات البهائيين، وكنت أنا وزوجي ضمن المطلوبين، غادرنا منزلنا، وتنقلنا من مكان لآخر حتى استطعنا الخروج من اليمن”.
“حاليًا تتم محاكمتنا في صنعاء غيابيًا بتهمة التجسس والتآمر على اليمن، ولم تغلق القضية حتى الآن، رغم إعلان قرار العفو في مارس ٢٠٢٠”.


البهائية في اليمن


يشكّل البهائيون أقلية دينية في اليمن، شأنهم شأن اليهود والمسيحيين، فضلًا عن بعض الطوائف كالطائفة الإسماعيلية
البهائيون موجودون في اليمن منذ 170 عامًا، حسب المتحدث باسم البهائيين في اليمن، عبدالله العلفي، الذي يقول إنهم من مختلف مكونات وقبائل المجتمع اليمني، ويعملون في مهن مختلفة، لكنهم أصبحوا هدفًا للتعسف والمضايقات من قبل سلطات الأمر الواقع في صنعاء، منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء.

البهائيون في اليمن هم من أبناء القبائل والأسر اليمنية المعروفة، ومن مختلف المدن والمحافظات، الذين آمنوا بالدين البهائي


ويضيف العلفي أن سبب استهدف الحوثيين للمرأة البهائية هو لأنها قيادية، فبعد اعتقالات ٢٠١٦ وجهت النيابة مذكرة اتهام ضد ٢٤ بهائيًا في ٢٠١٨، بينهم ثمانية نساء وطفلة دون الـ18، بتهمة التجسس والردة، وهي تهم عقوبتها الإعدام، بالإضافة إلى الإفك على الدين البهائي بأنه يدعو إلى الإباحية والانحلال، لغرس فكرة سيئة عن المرأة البهائية في أذهان المجتمع، فتتعرض للمضايقات حيثما عُرفت أنها بهائية.
يقول العلفي: “البهائيون في اليمن هم من أبناء القبائل والأسر اليمنية المعروفة، ومن مختلف المدن والمحافظات، الذين آمنوا بالدين البهائي”.

إقرأ أيضاً  30 نوفمبر.. بأي حال عدت يا عيد الجلاء البريطاني عن عدن؟

ويضيف: “بداية وجود الديانة البهائية في اليمن تعود إلى منتصف القرن الـ19، عندما مر حضرة “الباب” من المخا عبر الساحل اليمني الغربي، أثناء رحلته إلى مكة. وخلال رحلته تعرف عليه العديد من اليمنيين، وآمنوا بدعوته”.
ولا توجد أرقام محددة لعدد البهائيين في اليمن، إذ يتراوح عددهم بين 1000 و3000 شخص، بحسب موقع “المصري اليوم” الإخباري.
التهم بالشرف والتنمر
ريمي (اسم مستعار) شابة يمنية تبلغ من العمر 20 عامًا، من محافظة صنعاء، وتعتنق الدين البهائي، تعلقت بالكتابة الأدبية والمقالات التي تحاول من خلالها أن تطرح قضايا ومواضيع تجذب القارئ، ويستمتع بقراءتها. لم تكن تعلم أن كتاباتها سوف تعرضها لسوء المعاملة والتنمر من زملائها ومعلميها.
تقول ريمي: “كنت أدرس في إحدى جامعات صنعاء الخاصة، قسم العلوم السياسية، وكنت الفتاة الوحيدة بين 20 طالبًا، وفي إحدى المحاضرات طُلب منا أن نقدم أي نوع من كتاباتنا، وقد شعرت حينها بالسعادة أنني سوف أطرح مقالًا يتناول بعض الأشياء الخاصة التي أؤمن بها. أكملت قراءة المقال، وأعجبت دكتورة المادة بما قدمت، ولكن لم أكن أعلم أن زملائي بعد تلك الدقائق سيبحثون عني، ويعلمون أنني بهائية”.
ترصد زملاء ريمي بها، وأصبحوا يتهمونها بأنها إنسانة غير سوية، وأن الدين البهائي الذي تنتمي له يدعو للفسق والانحطاط، ويحلل زواج المحارم والعلاقات المحرمة، كما كان يقال لها من قبلهم.
روت ريمي قصتها، وهي تشعر بالأسى الشديد لما حدث لها، فقالت: “عرض علي أحد الزملاء الزواج به ، قال إنه سيهتم بي وبديني البهائي، وربما يصبح بهائيًا أيضًا.. كنت أعلم أنه يستهزئ، ويريد فقط أن يدخلني في أمور غير سوية معه، فرفضته، وبدأ بمضايقتي أكثر.
زميل آخر قام بنشر صور لي ولوالدي وإخوتي على صفحة “فيسبوك”، والكتابة عنا بطريقة مسيئة، للضغط علي. آخرون كانوا يطلبون من زميلاتي في الجامعة عدم مصادقتي لأنني بهائية، ويشوهون سمعتي بأشياء ليست في ديننا، ولا نعلم من أين جاؤوا بها”.
أحد الدكاترة منع ريمي من حضور محاضراته بعد علمه أنها تنتمي للبهائية، وكانت تتعرض للألفاظ البذيئة أثناء ذهابها لزيارة والدها المعتقل في أحد سجون صنعاء، من قبل الحراس، لمعرفتهم أنها بهائية.
تستذكر ريمي كل ما حدث لها في السنة الأولى من دراستها، وتشعر بالحزن، تطمح أن تكمل دراستها، وتعود إلى اليمن، وتحقق حلمها، وهي تحمل معها شهادات مشرفة في حقوق الإنسان والقانون الدولي.
يقول العلفي: “المرأة البهائية بشكل عام تتمتع بمكانة عالية في الدين البهائي، فالدين البهائي يأمر بالمساواة بين النساء والرجال، ويحث على أهمية دور المرأة في تنمية المجتمع وتحقيق السلام، كما يأمر بإلزامية تعليم الأبناء مع الأولوية للفتيات، لذلك كانت المرأة البهائية من أوائل الكوادر النسائية التي خدمت اليمن في مختلف مجالات التنمية”.
التحريض ضد البهائيين
بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ازدادت وتيرة الاضطهاد الممنهج والمنظم على البهائيين، وبث الحوثيون حملة تحريضية على كراهية البهائيين، ما أدى إلى مزيد من معاناتهم.
يقود عبدالملك الحوثي، زعيم الحوثيين (أنصار الله)، عملية التحريض على كراهية البهائيين، ذكرهم في ثلاثة من خطاباته. ففي 2017، قال إن البهائيين يتلقون المال والدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي 2018، وصف البهائيين بأنهم “حركة شيطانية”، ويخوضون حربًا ضد الإسلام.
وفي 2021، ألقى كلمة قال فيها إن الأمريكيين يحاولون خلق ديانات جديدة في اليمن لقمع صعود الإسلام، معتبرًا البهائية إحدى هذه الديانات.
يقول العلفي: “يدعي الحوثيون أن البهائية نشاط ترعاه إسرائيل، وهذا افتراء ليس له أساس من الصحة، ولا توجد أي أدلة على ذلك”.
ويضيف: “تعتمد نظرية الجماعات الدينية السياسية (الأحزاب) في بناء الدولة على النظرية الدينية، لذلك يرون أي دين آخر عدوًا يهدد مصالحهم في الحكم. الحوثيون يحاربون كل من يخالفها، فضلًا عن ارتباطهم بالنظام الإيراني. إن اضطهاد البهائيين في اليمن هو امتداد لنفس الاضطهاد في إيران”.

تنشر هذه المادة ضمن مواد زمالة الصحافة والحريات الدينية

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة