fbpx

الكلاب الضالة.. موت يتربص بأطفال اليمن

داء الكلب في البشر يأتي من عضة الكلاب المصابة-تصوير شبكة أريج

تعز – مجاهد حمود

أصيب الطفل أحمد سعيد سلطان ذو الــ12 عامًا، بعضة كلب مسعور في رجله اليمنى، منتصف مايو من العام الحالي، أثناء خروجه لرعي الأغنام في أحد الأرياف بمديرية شرعب الرونة، شمال محافظة تعز. لم يأبه أحد لإسعافه في الحال أو استخدام الإجراءات الاحترازية بغسل الجرح بالماء والصابون، وكأن شيئًا لم يحدث. بقي مرميًا في المنزل، وأصيب بالحمى حتى أصيب بشلل نصفي، تم أخذه إلى أحد المعالجين بالقرآن الكريم، ظنًا أنه أصيب بمس شيطاني. تدهورت حالته الصحية بشكل مخيف، وتم إسعافه بعدها إلى الحوبان، شرق تعز، ثم إلى محافظة إب، وهي الأقرب من مدينة تعز، بسبب إغلاق الطرقات الرئيسية، لكنه توفي بعد ثلاثة أيام من ظهور الأعراض.  

تقول منظمة الصحة العالمية إن معظم الوفيات الناجمة عن داء الكلب تعود في كل من البشر والحيوانات، إلى عدم كفاية الوصول إلى موارد الصحة العامة والعلاج الوقائي. وهذا يعني أن البلدان منخفضة الدخل تتأثر بشكل غير متناسب بالمرض.

وحسب المنظمة فإن حوالي 99% من حالات داء الكلب في البشر ناتجة عن عضات الكلاب المصابة، كما أن أكثر من 95% من حالات وفيات داء الكلب البشرية في العالم، تحدث في إفريقيا وآسيا. وتقول المنظمة إن أكثر من 80% من حالات داء الكلب تحدث في المناطق الريفية مع وصول محدود أو غير موجود لحملات التثقيف الصحي والعلاج بعد العضة. يشكل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا، 40% من الأشخاص الذين يتعرّضون لعضّ الحيوانات التي يُشتبه في إصابتها بداء الكلب، حسب المنظمة.

تنتشر الكلاب بصورة مخيفة في شوارع المحافظات اليمنية، حيث ذكرت تقارير سابقة أن هناك أكثر من 70 ألف كلب ضال في أمانة العاصمة حتى العام 2017، وهو قابل للزيادة بسبب توقف المكافحة نتيجة توقف الميزانية وارتفاع أسعار المستلزمات المستخدمة، حسب تحقيق سابق لشبكة أريج.

حادثة الطفل أحمد شكلت منعطفًا آخر أيقظت الجميع من غفلتهم عن المخاطر المحدقة لهذا الداء القاتل والمرعب، الجميع بقي متسائلًا: من أين جاء الكلب المسعور؟

ريم طفلة ذات خمسة أعوام، قالت بأنه مر كلب جوار منزلها وحاول عضها ونجت منه بأعجوبة، لكن والدها لم يقتنع بذلك، فقام بأخذها على الفور إلى أحد المراكز الصحية لأخذ جرعة اللقاح تفاديًا للمخاطر.

الدكتور أحمد الورد، مدير البرنامج الوطني لمكافحة داء الكلب بوزارة الصحة بصنعاء، حذر من تجاهل مخاطر داء الكلب في الأرياف، داعيًا الجهات المختصة بوزارة الصحة إلى نشر مواد توعوية تحذر من هذا المرض، وتبين كيفية التعامل معه من خلال الإسعافات الأولية كغسل الجرح بماء متدفق وصابون لفترة لا تقل عن ربع ساعة.

أعراض داء الكلب

قد تكون الأعراض غير محددة في البداية، ولكنها تشمل الخمول والحمى والقيء وفقدان الشهية. في غضون أيام، يمكن أن تتطور العلامات إلى ضعف دماغي، ترنح، ضعف وشلل، صعوبات في التنفس والبلع، إفراط في إفراز اللعاب، سلوك غير طبيعي، عدوانية أو تشويه الذات.

إنفوجرافيك توعوي بداء الكلب

وأوضح الدكتور الورد لـ”المشاهد” أن داء الكلب هو عبارة عن التهاب فيروسي يصيب الجهاز العصبي المركزي، ثم يؤدي إلى الوفاة، إذ إن الإماتة فيه 100% إذا لم تتخذ الإسعافات الأولية في الوقت المناسب، ويعد من الأمراض القاتلة.

وأكد أن فترة حضانة المرض قد تكون من أسبوعين إلى أربعة أسابيع، وقد تكون من نصف شهر إلى شهرين في العادة، بينما قد يكون من أقل من أسبوع إلى أكثر من سنة، وهذا يعتمد على عدة أمور، منها مناعة الجسم، قرب العضة وبعدها من الدماغ، كمية الفيروسات الداخلة إلى الجسم ووسائل الحماية، فالحالة تختلف عندما تكون العضة مباشرة على الجسم أو من خلال الملابس.

ويعرف الورد فترة الحضانة بأنها هي “من فترة العضة حتى ظهور الأعراض”، مشيرًا إلى أن الأعراض منها العامة، وهي التي تبدأ كحمى وتوعك وصداع، ثم تليها الأعراض التشخيصية التي هي حكة وألم شديد في مكان العضة، تغيرات حسية “الخوف، القلق، الخوف من الماء، الارتباك، النشاط الزائد، العدوانية، الشراسة، وهي المرحلة التي يمكن تشخيص المرض من خلالها، والمرحلة الثالثة هي التشنجات والاختلاجات، الشلل التدريجي، ثم الوفاة.

أكثر من 96 ألف إصابة خلال 9 سنوات

حصل “المشاهد” على إحصائيات من وحدة مكافحة داء الكلب في صنعاء، توضح أن عدد المصابين خلال 9 سنوات بلغ أكثر من 96 ألف مصاب في اليمن، بمتوسط 11 ألف حالة سنويًا، منذ العام 2011 حتى 2019. وسجل العام 2021، 15 ألف إصابة بالمرض، منهم أطفال دون 15 عامًا، بنسبة 41%، وذكور 32%، إضافة إلى 27% من الإناث، و46 حالة وفاة. وشهدت محافظة ذمار أكبر نسبة في عدد الحالات المصابة بنسبة 33%، تليها محافظة إب بنسبة 25.8%، ثم أمانة العاصمة بنسبة 25.6%، حيث تستقبل وحدة مكافحة داء الكلب بالمستشفى الجمهوري بصنعاء من 50 إلى 70 حالة يوميًا من مختلف المناطق.

إقرأ أيضاً  "التراث اليمني والحضرمي" يرسم حضوره في سيئون

ولدى المركز الوطني لمكافحة داء الكلب 26 مركزًا تتوزع على المحافظات المختلفة باليمن.

C:\Users\TOSHIBA\Desktop\داء الكلب - تقرير\تقرير داء الكلب الاعدادات الاخيرة\الكلاب الضاله ... حرب أخرى في اليمن-01.png
C:\Users\TOSHIBA\Desktop\داء الكلب - تقرير\معدل الإصابات والوفيات بداء الكلب في اليمن-02.png

الوقاية من داء الكلب

تتطلب الوقاية من المرض عدة أمور، منها عدم تربية الكلاب الزائدة عن الحاجة، تلقيح الكلاب المملوكة، عدم لعب أو عبث الأطفال مع الحيوانات الشرسة أو آكلة اللحوم، وبالذات الكلاب والقطط، حسب الورد. ثم تطعيم الناس الأكثر احتكاكًا بالحيوانات، مثل البيطريين وعمال المزارع التي تتواجد فيها الحيوانات، بالإضافة إلى علاج الأشخاص الذين يتعرضون للعض مباشرة، مثل الإسعافات الأولية المتمثلة بالغسل بالماء والصابون لمدة لا تقل عن ربع ساعة، بحيث لا يعود الماء إلى الجرح، مؤكدًا أن هذا يمثل 50-70% من المعالجة، ويعد خط الدفاع الأول لحماية الشخص من انتقال الفيروس.

ثم نقل من تعرض للعض إلى أقرب مركز صحي، ثم وحدة مكافحة داء الكلب إذا كان الكلب غير معروف أو ظاهرة عليه الأعراض. وإذا كان الكلب مملوكًا، والعضة بعيدة عن الدماغ، فيكتفى بغسل الجرح بالماء والصابون، ومراقبة الكلب لمدة لا تقل عن 10 أيام، وإذا مضت المدة والكلب بخير يأكل ويشرب، فلا قلق على الشخص المصاب. لقاح داء الكلب يتمثل في خمس جرعات خلال شهر، بالإضافة إلى جرعة المصل، التي تكون في أول لقاح، مع زيارة المرفق الصحي أو وحدة مكافحة داء الكلب.

داء الكلب في سلة المهملات 

مدير وحدة مكافحة داء الكلب في المستشفى السويدي بمدينة تعز  عامر البوصي، يقول في حديث لـ”المشاهد”، إن برنامج داء الكلب يعد من البرامج المهملة في الترصد الوبائي لدى وزارة الصحة نفسها، مضيفًا أن التسمية هذه أخذت لما بعدها من عدم اهتمام ومتابعة على مستوى المنظمات والجمعيات التي يتم التواصل معها، إذ يقولون بأن البرنامج لا يوجد ضمن الخطة المعدة للمنظمة، بعكس البرامج الأخرى، مثل الكوليرا وكورونا (كوفيد19).

ويضيف البوصي: “داء الكلب لم يتلقَّ أي اهتمام، ربما لعدم معرفة المعنيين بخطورة هذا المرض، ولذا هو ضمن سلة المهملات”.

ويحذر من خطورة هذا المرض الذي يعد من الأمراض المخيفة والمرعبة والمميتة لكثير من الحالات التي تصاب به، مخليًا مسؤوليته كمختص ومنسق للبرنامج في محافظة تعز، لعدم وجود لقاحات وأمصال بشكل كافٍ ومستمر لمركز وحيد لمحافظة تعز، التي تحتاج إلى فتح مراكز في أكثر من مديرية، حسب قوله، مشيرًا إلى دراسة معدة لفتح أكثر من مركز في محافظة تعز تشمل مركزًا في كل من النشمة والمواسط ومقبنة والبرح والراهدة، ولكنها الآن تعد ضمن المديريات الخارجة عن الحكومة اليمنية.

ويضيف: تم إعداد تقرير متكامل، وتم رفعه لمكتب الصحة في المحافظة، في آخر اجتماع مع مدير مكتب الصحة راجح المليكي، وتم الاتفاق على تفعيل فتح المراكز في المديريات المذكورة، للاقتراب من المواطنين الذين يصعب عليهم الوصول إلى المركز في مدينة تعز، بسبب صعوبة الطريق والمبالغ الكبيرة للمواصلات.

ويؤكد أن العقبة القائمة أمام تنفيذ البنود القائمة في برنامج داء الكلب، هي عدم توفر اللقاحات والأمصال. ساخرًا من الخطة السابقة قائلًا: ما فائدة فتح أكثر من مركز مختص بداء الكلب واللقاحات لم تتوفر؟ تظل هي الكارثة نفسها”.

وحصل “المشاهد” على إحصائيات لعدد الحالات المسجلة لدى وحدة مكافحة داء الكلب في تعز، حيث تم رصد 653 حالة إصابة بداء الكلب، و3 حالات وفاة  خلال العام 2021، 60%  منها من الأطفال.

وخلال العام الجاري منذ يناير حتى يونيو 2022، تم رصد 60 حالة إصابة بعضات كلاب مسعورة، رغم عدم وجود أي لقاحات منذ شهر أكتوبر 2021، بصورة نهائية، في وحدة داء الكلب بتعز، الذي يستقبل بشكل شهري من 30 إلى 20 حالة مصابة.

ويصل سعر اللقاح إلى 13 ألف ريال، والمصل إلى 11 ألف ريال، واللقاح الواحد يتمثل في  خمس جرعات يصل إجمالي قيمتها إلى أكثر من 60 ألف ريال.

إنفوجرافيك عن داء الكلب في تعز

C:\Users\TOSHIBA\Desktop\داء الكلب - تقرير\تقرير داء الكلب الاعدادات الاخيرة\داء الكلب .. في سلة المهملات في تعز-01.png
مقالات مشابهة