تدهور متسارع لبيئة الأعمال والاستثمار في اليمن

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

متابعة – عاصم أبو عامر:

يواجه المستثمرون المحليون والأجانب في اليمن، العديد من التحديات، على رأسها صعوبة إقامة الأعمال الخاصة، إذ تدهورت بيئة الأعمال ومناخ الاستثمار بشكل عام، وباتت تسير من سيئ إلى أسوأ منذ مطلع هذا العقد، وقد شهدت تراجعاً متسارعاً منذ اندلاع الصراع القائم بشكل أكثر وضوحاً وتأثيراً، حيث قرر العديد من رجال الأعمال في أنحاء كثيرة من البلاد، نقل رؤوس أموالهم إلى أماكن أخرى خارج اليمن، فيما اضطر الآخرون الذين قرروا البقاء، إلى التضحية بنسب كبيرة من قوتهم العاملة، بحسب دراسة اقتصادية موسومة بعنوان “أولويات لتعافي القطاع الخاص في اليمن: إصلاح بيئة الأعمال والاستثمار”.
وأوضحت الدراسة التي أعدها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، وشركة ديب روت للاستشارات، ومركز البحوث التطبيقية، بالشراكة مع الشرق (CARPO)، حصل “المشاهد” على نسخة منها، أن هناك تحديات كثيرة متجذرة في بيئة الأعمال والاستثمار تواجه القطاع الخاص في اليمن، تصاعدت مع استمرار الصراع الراهن، إذ وصل الأمر إلى أن وجدت اليمن نفسها في ذيل القائمة لمؤشرات الأعمال العالمية، وكثيراً ما تحتل المركز الأخير.

عوائق قاهرة بفعل النزاع

ونشأت العديد من العوائق القاهرة بفعل النزاع، تمثلت في غياب الاستقرار السياسي، وتردي الوضع الأمني، والحصار الاقتصادي، واختلال التوازن المالي والنقدي، وشيوع اقتصاديات الحرب والجهات التجارية غير الرسمية التي هيمنت على السوق.
وأكدت الدراسة أن بيئة الأعمال في اليمن تدهورت بصورة متزايدة مع تفاقم الأزمة السياسية منذ عام 2011، التي تحولت لاحقاً إلى حرب أهلية وتدخل عسكري إقليمي في مارس 2015، ودخل القطاع الخاص حقبة جديدة تميزت بتحديات سياسية واقتصادية وأمنية متعاظمة، حيث هبط الناتج المحلي الإجمالي اليمني من 7.7% إلى -12.7% بين عامي 2010 و2011 فقط، مشيرة إلى أن أكثر من 40% من مؤسسات الأعمال تخلصت مما يزيد عن 40% من قوتها العاملة، فيما انكمشت عوائدها إلى النصف.
وتأثرت جميع قطاعات الأعمال بلا استثناء بهذه التبعات، وتأثرت مؤسسات الأعمال الصغيرة بصورة أسوأ مقارنة بمؤسسات الأعمال متوسطة وكبيرة الحجم، إذ عكس ذلك نقاط الضعف البنيوية والموارد المالية الضحلة للأعمال الصغيرة، التي لم تكن كافية لها لتبني آليات تكيف تتجاوز هذه الصدمات.

مؤشرات خطيرة

وبدأت تبعات الصراع القائم، عام 2014، لكنه شهد تصعيداً كبيراً منذ العام 2015، كانت تبعاته مدمرة بالفعل، فبعد مرور ما لا يزيد عن 6 أشهر فقط منذ بداية الأعمال العسكرية الواسعة بتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، أكدت بعض التقارير أن 26% من مؤسسات الأعمال قد أغلقت أبوابها وخسرت أكثر من 70% من قاعدة عملائها في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، كما أن 95% من المشاريع التي تم إغلاقها تكبدت أضراراً مادية جزئية أو كلية، وأكدت قرابة 41% من المشاريع التجارية أنها استغنت عما يزيد عن نصف قوتها العاملة بحلول أكتوبر 2015، بالإضافي إلى أن الأعمال الخاصة الموجودة في محافظات (صعدة وتعز وعدن) تكبدت أضراراً مادية كبيرة بسبب النزاع، كما تقول الدراسة.

اليمن صورة كئيبة لبيئة الأعمال الهشة

وأشارت الدراسة إلى أن موقع اليمن في تصنيفات الأعمال العالمية اليوم يرسم صورة كئيبة لبيئة الأعمال الهشة في اليمن، والتي نتجت بشكل أساسي عن عقود من مبادرات الإصلاح العقيمة، لافتة إلى أن تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2019، الذي يصدره البنك الدولي، صُنفت فيه اليمن كرابع أسوأ دولة في العالم لإقامة الأعمال فيها، من بين 190 دولة (كانت فنزويلا وإريتريا في المركزين 188 و189 على التوالي، فيما حل الصومال في المركز 190 والأخير)، أي أن تصنيف اليمن قد تراجع بـ22 مركزاً مقارنة بمركزه في ذات المؤشر عام 2015، وقد صنف التقرير اليمن كواحد من أسوأ 5 بلدان للتجارة عبر الحدود، وتأمين الكهرباء، والحصول على الائتمان، والتعامل مع رخص البناء.
ولا تختلف هذه الصورة القاتمة لبيئة الأعمال العامة ومناخ الاستثمار في اليمن في المؤشرات العالمية الأخرى، فقد كانت اليمن ثاني أسوأ دولة في مؤشر التنافسية العالمي عام 2018، من بين 140 دولة، وثالث أسوأ اقتصاد في مؤشر الازدهار الصادر عن معهد ليجاتم (Legatum Prosperity Index)، من بين 149 اقتصاداً، بحسبما أفادت الدراسة، التي أكدت أنه في آخر نسخة متوافرة من مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 2015، قبعت اليمن في المركز 133 من بين 178 اقتصاداً، أي أن تصنيف اليمن كان في الفئات الدنيا التي تشمل بالمجمل الاقتصادات غير الحرة، وعلى مؤشر مدركات الفساد تم وضعها كخامس أكثر دول العالم فساداً في 2017، من بين 180 دولة.
وقالت الدراسة إن اليمن قبل النزاع الراهن، قامت باتخاذ خطوات كانت تهدف في ظاهرها إلى تطوير قطاع خاص تنافسي، من خلال إطلاق عدة برامج إصلاحية وخطط تنموية، فأطلقت الحكومة اليمنية عام 1995 برنامج الإصلاح الاقتصادي، بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في سبيل تعزيز دور القطاع الخاص داخل الاقتصاد اليمني، وقد أولى البرنامج الأولوية لتنمية جميع مجالات القطاع الخاص، إضافةً إلى مشاريع تنموية على مستوى المحافظات.

نتائج مخيبة للآمال

وحاولت الحكومة تنفيذ عدد من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية، فضلاً عن إصلاحات مالية وخصخصة بعض المؤسسات العامة بين عامي 2000 و2010، في سبيل تحفيز وتحسين بيئة الأعمال، غير أن تلك الجهود كانت نتائجها مخيبة للآمال، بحسب الدراسة، موضحة أن البنك الدولي في تقييمه لتلك الإصلاحات ومدى تحقيقها للنتائج المرجوة، أكد أن هذه المبادرات الطموحة عجزت عن تحقيق أهدافها، مرجعاً ذلك إلى التدخل السياسي الفادح، والعوائق الحكومية البيروقراطية، وغياب التنسيق وتنفيذ الخطط على مستوى الوزرات الحكومية وعلى مستوى البنى الحكومية-الخاصة، ويُضاف إلى ذلك الآليات الضعيفة للحكم والمحاسبة، وغياب رؤية واضحة في التصدي للتحديات التي تواجه بيئة العمل في اليمن.
ظل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر باليمن في خانة السالب منذ 2011، وتقليدياً لم تُعرف اليمن بأنها وجهة جذابة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقد استغرق الأمر حتى عام 2006 لوصول تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى حجم قياسي بلغ 1.1 مليار دولار، ونجحت اليمن في استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العامين التاليين، ليصل حجم هذه الاستثمارات إلى 1.6 مليار دولار عام 2008، ولكنه هبط هبوطاً حاداً بعد ذلك، كما أوضحت الدراسة، مشيرة إلى أن عجز الحكومة عن تنويع مواردها بعيداً عن الاعتماد على النفط وتوسيع رقعة القطاع الخاص غير النفطي، كان عاملاً آخر مهماً أعاق حركة عجلة التنمية.
ومع الارتفاع المستمر لأسعار النفط في العقد الأول من الألفية الجديدة، حتى عام 2008، شكلت صادرات النفط ما يقارب 85% من مجموع صادرات اليمن، واقتصر إسهام القطاع الخاص غير النفطي على الـ15% المتبقية، وولدت عائدات النفط 65% من الموارد الحكومية الإجمالية في نفس الفترة.

إقرأ أيضاً  في زمن الحرب… 4 محافظين لحراسة الريال المنهار

انهيار القطاع الحكومي

وبرغم التحديات التي واجهها المستثمرون المحليون والأجانب، إلا أن القطاع الخاص أظهر صلابة كبيرة، مقارنة بالقطاع الحكومي الذي شهد حالة انهيار شبه كامل للمؤسسات الحكومية المختلفة، بحسب ما قالته الدراسة، مضيفة أنه قام بدور كبير لتغطية العجز وسد الفجوات التي تركها غياب الخدمات الحكومية في العديد من المناطق، وهو ما يسّر الوصول إلى السلع الأساسية، وكان عاملاً أسهم في إعالة ملايين اليمنيين.
وجاء في الدراسة: “برز القطاع الخاص كلاعب حيوي على الأرض، في ظل تشظي مؤسسات الدولة على جبهات الحرب، مثل وزارة المالية والبنك المركزي، حيث ملأ القطاع الخاص الفجوة التي نشأت في توفير الخدمات الأساسية، كما كشف مسح تم إجراؤه في منتصف عام 2017، تناول قطاع الأعمال في اليمن لقياس إسهامه في الاستجابة الإنسانية، أن 4 من أصل 5 أعمال لها يد في جهود الإغاثة الإنسانية، من طعام، ورعاية صحية، ومساعدات غذائية”.
وأثبت القطاع الخاص نفسه، أيضاً، كشريك أساسي للمنظمات الإنسانية الدولية الناشطة على الأرض، إذ عمل على تسهيل حركة البضائع والمال من المتبرعين إلى المستفيدين، إضافة إلى تقديم يد العون للجهات الإنسانية في ما يتعلق بأمور التخزين، وغير ذلك من اللوجستيات.
وأشارت الدراسة إلى أن البلد يواجه صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية، وأيضاً في إعادة رأس المال الوطني والشركات الأجنبية التي هربت من البلاد بحثاً عن بيئة أعمال أكثر أمناً، مشددة على التعامل مع الجهود الرامية إلى وضع تدابير لتحسين بيئة الأعمال الوطنية، على أنها أولوية محورية في سبيل جذب الاستثمارات من جديد إلى اليمن، وبدء عملية تعافي القطاع الخاص.
ولفتت إلى أن البنك الدولي، عام 2017، قدر تكاليف إعادة الإعمار والتعافي في اليمن بـ88 مليار دولار، منها 25 ملياراً ستذهب إلى إعادة بناء الأصول المادية.

ما هي قواعد تعافي القطاع الخاص؟

وأوضحت الدراسة أن إنهاء النزاع القائم وإعادة توحيد المؤسسات الحكومية وآليات الحكم هي الوسيلة الأضمن لإرساء قواعد تعافي القطاع الخاص في اليمن والبلاد بصفة عامة، وهناك خطوات عملية وواقعية يمكن لأصحاب الشأن، على المستويين الوطني والدولي، العمل بها لدعم القطاع الخاص في اليمن مع استمرار النزاع.
وأضافت: “هذه الخطوات ستساعد على تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، خاصة أمام الشباب، وستبدأ سلسلة من التطورات الإيجابية في اليمن، مثل: التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، وإعادة تفعيل الدورات المالية الرسمية، وغير ذلك”.
وأكدت أن اجتماع عدد من الخبراء الاجتماعيين والاقتصاديين في العاصمة الأردنية عمان، في الفترة 27-29 أبريل 2019، في إطار منتدى رواد التنمية الخامس، الذي يعد محوراً رئيسياً من محاور مبادرة إعادة تصور الاقتصاد اليمني، أثمرت النقاشات المعمقة التي دارت بين المشاركين فيه، حول التحديات التي تواجه بيئة الأعمال والاستثمار في اليمن، عن عدد من التوصيات للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وأصحاب الشأن الدوليين.
وبحسب الدراسة، فإن أبرز التوصيات التي خرج بها المجتمعون، هي: وضع معالجات عاجلة لتجاوز التحديات التي تواجه عملية تسيير طلبات خطابات الاعتماد التي تقدم بها التجار من أجل استيراد السلع الأساسية، ومراجعة وتنقيح قائمة البضائع التي يُحظر استيرادها، فضلاً عن إعداد خطة عمل سريعة لدعم الصادرات وإزالة العوائق البيروقراطية، وإعادة تفعيل ودعم الهيئات الحكومية التي من شأنها تيسير التجارة الدولية، وإعداد قائمة بمشاريع الاستثمارات ذات الأولوية التي يمكن أن تزيد من فاعلية القطاعات الحيوية، وتبني مشاركة القطاع الخاص (PSP) كخطوة أولى نحو بناء شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص (PPPs)، ناهيك عن قبول الاحتكام للقانون الدولي بشأن أي عقود موقعة في ظل ضعف النظام القانوني القائم في اليمن.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة
الأكثر قراءة
استطلاعات الرأي