fbpx

المشاهد نت

في ذكراها الثانية والثلاثين.. هل تتجاوز الوحدة إرهاصات الحرب مع تشكل المجلس الرئاسي؟

عدن – وفاء غالب:

تحل الذكرى الثانية والثلاثون لعيد الوحدة اليمنية هذا العام، في ظل تحولات جذرية على الساحة، تتمثل بتأسيس المجلس القيادي الرئاسي، الذي سبقه إعلان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرج عن هدنة ستنتهي بعد أيام، ويجري حاليا بحث إمكانية تمديدها للوصول لحل الأزمة الراهنة في البلاد.
ويمكن لتقارب القوى المناهضة لجماعة الحوثي أن يُسهم بشكل كبير في الحفاظ على الوحدة اليمنية، بينما يعتقد البعض أن تشكيله يُكرِّس المُحاصصة ويهدد استمرار بقاء الدولة بشكلها الموحد الحالي، بخاصة في ظل كل التحديات الراهنة.
الوضع الراهن مليء بالتعقيدات سواء في شمال اليمن أو جنوبه، فالقوى على الأرض مختلفة، فضلًا عن استمرار تمسك بعض أعضاء المجلس الرئاسي بخيار فك الارتباط؛ وإحياء المجلس الانتقالي تلك الذكرى التي قامت معها حرب انتهت لصالح الوحدة وأطاحت بمشروع العودة إلى ما قبل إعلان الوحدة عام 1990.

تعقيدات غير مُطمئنة

تتباين رؤية الرأي العام في اليمن إزاء مستقبل بلادهم، وبالتالي مستقبل الوحدة أو الانفصال، وأصبح المواطن -كما يفيد الكاتب والسفير عبدالوهاب العمراني- مدركًا أن الوحدة بشكلها الحالي انتهت، ولم يعد بالإمكان استمرارها؛ حتى إن العودة إلى ما قبل عام 1990 يشوبه الغموض والعراقيل، ويهرول اليمن للمجهول والتشرذم كما أصبح يعتقد كثير من المواطنين، فحالة التوافق في صيغة شكل الحكم حاليًا عقب تشكيل المجلس الرئاسي، هي مؤقتة وشكلية ولن تدوم طويلًا، فعدن على فوهة بركان قد يفرز صراعًا يفوق أحداث يناير عام 1986 عندما تقاتلت القبائل الماركسية.
وبحسب العمراني في حديثه لـ”المشاهد”، فإن بعض اليمنيين يعتقدون أن اليمن قد يتجاوز هذه المحنة بعد تشكيل المجلس الرئاسي، لكن آخرين يشعرون باليأس، بخاصة بعد خذلان قيادته السابقة برئاسة عبد ربه منصور هادي الذي فشل في الحفاظ على تلاحم المعسكر المواجه للمتمردين الحوثيين، أو مواجهة التيار الانفصالي الذي دأب على منع هادي من العودة للداخل.
ويعتقد أن التطورات الأخيرة في رأس السلطة في اليمن، لن تكون في مصلحة استقرار اليمن أو الحسم العسكري أو حتى تسوية عادلة، مؤكدًا أن أغلب اليمنيين لا يعولون على نظام سياسي مستقر ينتعش فيه اقتصادهم المنهار.

القيادي.. حجر الزاوية

ويواجه المجلس الرئاسي الحالي تحديثات كثيرة تعوق عمله، تتعلق -وفق المحلل العسكري والباحث علي الذهب- بإرساء مؤسسات الدولة بعد انقطاع طويل، والنهوض في المجال الخدمي والبنية التحتية، إضافة إلى التحدي الأمني الذي هو أساس الاستقرار، وكذا الجانب العسكري المتمثل بإعادة بناء الجيش ودمج التشكيلات الأخرى في إطار هياكل الداخلية والدفاع، والتي تؤثر كلها في مشروع استعادة الدولة وضمان وحدة البلاد واستقرارها وسيادتها، فضلًا عن مواجهة الإرهاب الذي تقف كثير من الأسباب وراء نشاطه في المناطق الجنوبية مؤخرًا.
وفي حديثه مع “المشاهد” اعتبر الذهب الحديث عن إخفاق المجلس في دوره سيكون جماعيًا، وليس فرديًا، كونه مكونًا من 8 أشخاص يتفقون في قضايا ويختلفون في أخرى، مؤكدًا أن أي إخفاق سيكون مكلفًا، ولن يدعم سوى جماعة الحوثي التي ستظل متمسكة بالشمال وتحال فرض وجودها في مأرب ثم شبوة، وسيُعرض الجنوب -على وجه الخصوص- للتقسيم إلى أكثر من قسمين، فضلًا عن خروج جزره ولو مؤقتًا عن سيطرته.


وهو يستبعد ذلك السيناريو في الوقت الراهن، كون الوضع السياسي والعسكري في اليمن، محكومًا في إطار دول مجلس التعاون الخليجي بوصفها الراعي للمبادرة الخليجية، وأي تداعيات لملف اليمن ستتأثر بها مصداقيتها وحتى بنيتها السياسية.

في ظل تعدد القوى الراهن على الأرض في اليمن، وفي حال لم يُفضِ الوضع لعملية سياسية في إطار تعريف جديد للدولة الاتحادية المقبلة، سيظل الوضع قائمًا على نحو ما جرى في الصومال، حتى وإن تبدلت الحكومة في المحافظات المحررة


وفي ظل تعدد القوى الراهن على الأرض في اليمن، وفي حال لم يُفضِ الوضع لعملية سياسية في إطار تعريف جديد للدولة الاتحادية المقبلة، سيظل الوضع قائمًا على نحو ما جرى في الصومال، حتى وإن تبدلت الحكومة في المحافظات المحررة، على حد قول الذهب، مؤكدًا أن المجلس الرئاسي وإن واجه صدمات أو تعرض للانهيار، ستحافظ عليه القوى الدولية ودول الخليج، كونها لا يمكن أن تتيح لإيران النفوذ أكثر وتحقيق أي مكاسب خارجية كمنح جماعة الحوثي اعترافًا دوليًا، لما سيشكله ذلك من خطر كبير على الخليج والمصالح الدولية والقوى العظمى التي تفاوض طهران في ملفها النووي.

تكريس المحاصصة

في قراءته للمشهد اليمني والمخاوف من أن يكون تشكيل المجلس الرئاسي مكرسًا للمحاصصة، قال الباحث الذهب إن ذلك هو بالفعل ما حدث، وكان خيار القيادي الوحيد، لأن جغرافيا الجنوب يخلو منها تواجد الحوثي، وهي تمثل قرابة 80% من المناطق المحررة، ويجري التقاسم في الجانب السياسي أو الوظيفة العامة أو التمثيل، ودينامية القوى السياسية الجنوبية هي تفرض وجودها بناء على هذا المرتكز، في المقابل هناك حضور لأبناء المناطق الشمالية في المجلس والحكومة وغيرهما، مشيرًا إلى أنهم إن أرادوا أن يكون لهم فاعلية أكبر، عليهم تحرير مناطق من الحوثيين.
ويخلص الذهب إلى أن هناك نوعًا من التوازن بالتمثيل في المجلس الرئاسي، والوحدة لن تتأثر كثيرًا بالمحاصصة في الوظيفة العامة، وعلى رأس ذلك المؤسسات السيادية الكبيرة. ويقول: “راعت القوى الخارجية مصالحها، ولم تخدم الشرعية على النحو الذي تم إعلانه، فضلًا عن أنه تم التركيز على تحرير الجنوب بسبب موقعه الاستراتيجي ودرجة ارتباط بعض محافظاته بدول الجوار”.

إقرأ أيضاً  هل تُفشِل طرق تعز جهود السلام في اليمن؟!

هرولة نحو المجهول

يقول السفير العمراني إن هناك ثلاثة تيارات تهرول للمجهول على خارطة الجغرافيا السياسية، وهي جماعة الحوثي والحراك الانتقالي وبقايا الشرعية التي ورثت حقبة هادي، وسواء انتهت الحرب بطريقة سلمية تفاوضية أو حسم عسكري -وهو الخيار المستبعد حاليًا- فإن الأمر الواقع على خارطة المشهد السياسي والعسكري في اليمن، يوحي بأن طريق السلام مازال بعيدًا، فنهاية الحرب لا تعني بالضرورة أن يعم السلام، فبداهة أي حرب في التاريخ لها نهاية، وليس هناك حرب أبدية.
ويحذر العمراني من الانزلاق نحو مزيد من الفوضى والتشرذم على النحو الذي يُخطط له، مشيرًا إلى أن الوحدة كان يمكن أن تؤسس لنظام ديمقراطي قائم على التعددية الحزبية، يكون فيه تبادل سلمي للسلطة وحرّيات من كلّ نوع، خصوصًا في مجال الإعلام، فضلًا عن احتمال قيام لامركزية موسعة تسمح لكل مكون بالتعبير عن نفسه بحرية، لكنّ كلّ ذلك بات من الماضي، كذلك احتمال قيام لامركزية موسّعة تسمح لكلّ مكوّن من مكوّنات اليمن بالتعبير عن نفسه بحريّة.
من جهته، يرى المحلل العسكري الذهب، أن الخيار السياسي هو الماثل الآن، وتدعمه كل الدول، بخاصة عقب أزمة أوكرانيا وتداعياتها، وبسبب مصالحها المرتبطة بإيران، يليه الموقف العسكري الذي يواجه كثيرًا من التحديات، بسبب الصعوبات التي تواجه الحكومة، بخاصة بعد خروج رجلين فاعلين ومؤثرين، هما الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، ونائبه علي محسن الأحمر، من المشهد.
“والحديث عن وحدة بشكلها المركزي غائب تمامًا، فضلًا عن أن الحديث عن وحدة في إطار دولة اتحادية أمامها صعوبات، بسبب وجود قوى جنوبية عديدة متباينة المواقف والأهداف”، بحسب قول الذهب الذي يؤكد أن الحرب إذا توقفت سيكون هناك ترتيب معين لشكل الدولة ومعالجة للمشروعات الحالية بشأن ذلك.

مراوغة

أصبحت الوحدة اليمنية ورقة يتم استغلالها من قِبل بعض القوى اليمنية، وكذلك الانفصال. أمام هذا وذاك، وبعد أكثر من سبع سنوات من الحرب التي ماتزال قوات الحكومة وجماعة الحوثي تتقاسم مساحاتها في ما بينها، إلى جانب قوى أخرى تلعب بعض الأدوار في المشهد، يبدو للسفير العمراني أن الجماعة لم تولِ مسألة الهوية الوطنية الجامعة اهتمامًا خاصًا في السابق، واكتشفت مكانتها لاحقًا، فصارت تلعب بها وسط الفوضى والفراغ الذي تتسع مساحته، وبسببه أصبح لها مكانة تفوق حجمها بمرات عديدة، طالت على إثرها الفوضى كل مكان باليمن.
ويرى العمراني أن حكم أقلية مستبدة لأكثرية أمر ممكن في اليمن في حالة توفر سيولة مادية وثروة تؤسس لدولة الريع السياسي (ويقصد الدولة التي تستمد إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين)، لذا لا مجال لحكم الحوثيين على اليمن، ولاسيما أنّ منطق الغلبة الخالص لم ينجح قبل ألف عام.
ويؤكد أن الفراغ الدستوري ليس أسوأ ما تواجهه اليمن، بل شبح التفكك مع سقوط الدولة وسيطرة مليشيات على العاصمة، وهذا أسفر عنه تحرك الأقاليم، مشيرًا إلى أن موقف جماعة الحوثي من الوحدة براجماتي، ولن يفرضوها بقوة السلاح، بدليل أنها متحالفة مع بقايا الدولة العميقة في الحدود الشطرية برغم قدرتهم على التوسع.
ويفسر ذلك بقوله إن جماعة الحوثي تعتقد بأن سيطرتها على شمال اليمن، ستكون أسهل لاستمرارهم، لأن نسبة كبيرة من سكان تلك المحافظات يعتقد أنها حاضنة لفكرهم الطائفي السلالي، وهذا ليس صحيحًا، أكثر خصوم الحوثيين هم من هذه المناطق وحتى صعدة.
تستلهم جماعة الحوثي مراوغتها من دهاء الراعي الأساسي الإقليمي في إيران، سواء بالتأثر الإعلامي في موقفهم الرسمي المعلن من الوحدة، وكذلك في الجانب السياسي، والتحرك العسكري الذي فرضهم كفاعل أساسي خلال حقبة الحرب، وفق العمراني.
ومنذ إعلان الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990، بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي، ظلت حالة الغليان مستمرة، وأسفر عنها لاحقًا حرب صيف عام 1994 التي انتهت لصالح الحكومة آنذاك.

مقالات مشابهة